العلامة الحلي
141
الباب الحادي عشر ( مع شرحيه النافع يوم الحشر للسيوري ومفتاح الباب للحسينى )
المستقبل ، أو للتأبيد في الدّنيا بدليل قوله تعالى : « وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً » أي الموت ، لأنّهم يتمنّونه في الآخرة للتّخلّص عن العذاب ، وقوله تعالى : « فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي » لأنّ حتّى يدلّ على الانتهاء وهو ينافي التأبيد المطلق . أقول : إذا أثبتنا أنّ كلمة « لن » للتأبيد مطلقا بالنّقل عن أهل اللّغة ، فالظاهر أنّها في الآيتين المذكورتين وأمثالهما محمولة على المجاز ، وهذا القدر كاف في هذا المقام إذ المقصود تأييد الدّليل العقلي بالدّليل النّقلى ، وإلّا فالمطلب يقينىّ والدّلائل النّقليّة في الأكثر ظنّيات . فالأولى في تقرير الاعتراض أن يقال : أهل اللّغة اختلفوا في كلمة « لن » فقال بعضهم للتأبيد مطلقا ، وبعضهم انّها للتأبيد في الدّنيا ، وقيل هو الحقّ وبعضهم للتأكيد في المستقبل ، وقال بعضهم لا دلالة لها على التّأبيد ولا على التّأكيد أصلا فلا يثبت كونها للتّأبيد مطلقا ، ولو سلّم فلا يدلّ تأبيد النّفى مطلقا على الاستحالة ، والمدّعى استحالة الرّؤية البصريّة . اللّهم إلّا أن يستند بالإجماع المركّب وفيه ما فيه . والحقّ أنّ كلمة « لن » في هذه الآية لتأبيد نفى الرّؤية بل لامتناعها بقرينة ما بعدها أعنى قوله : « وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي » الآية ، لأنّ حاصله بحسب الظّاهر استدلال على ذلك بأنّ رؤية موسى ( ع ) يستلزم استقرار الجبل في حال التجلّى ، واللّازم محال فالملزوم مثله . نعم يمكن جعل هذا الاستدلال أيضا دليلا على امتناع رؤيته على ما لا يخفى . وأيضا هذا الكلام يدلّ على أنّ الجبل مع عظم جسامته وغاية صلابته لا يقدر على ورود التّجلّى عليه بل يضمحلّ ويصير كأنّ لم يكن شيئا مذكورا ، فكيف يقدر موسى ( ع ) على رؤيته بالبصر . وربما يفهم من سياق هذا الكلام بحسب الظّاهر أنّ المراد استحالة الرّؤية البصريّة لا انتفائها في الجملة كما لا يخفى على المنصف المتفطّن في معرفة أساليب التّراكيب . واحتجّ المخالف بتلك الآية على إمكان الرّؤية البصريّة من وجهين : أحدهما أنّ موسى ( ع ) سأل الرّؤية حيث قال : « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ »